حيدر حب الله
92
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
والأطراف ، فضلًا عن العقوبات الأخرويّة ، فإنّ وضع عقوبات يجعل التوجيهات ذات منحى قانوني إلزامي أكثر من كونه مجرّد توجيهٍ أخلاقي . ب - النصّ الديني ، من بيان القانون نحو التحفيز لتطبيقه الوقفة الثانية : إنّ ما طرحوه هنا يتجاهل طبيعة أنّ النص القرآني هو نصّ ديني لديه أغراضه الأخرى غير القانونية ، ومن ثم فهو ملزم بأن لا يتمحّض بالقانون ؛ لأنّ التمحّض بالقانون قد ينقض بعض الأغراض التي يريدها النص الديني ، ولهذا لم يكن القرآن - ولا عموم الكتب السماويّة - كتاباً مصنّفاً على طرائق العلوم الأخرى بما فيها الأخلاق ؛ لأنه لا يخاطب النخب فقط ، بل يأخذ بعين الاعتبار مخاطبة الشرائح المختلفة في المجتمع . كما أنّ النصوص الدينية عادةً ما لا يهمها فقط أن تلعب دوراً معرفياً في شكل قضايا خبريّة كما هي الحال في العلوم الأخرى ؛ بل إنّ طريقتها هي المزج بين تقديم المعلومات وجعل ذلك بطريقة تكون بنفسها محفّزاً للعمل ، على خلاف الكتب العلمية الأخرى التي قد يكون غرضها تقديم المعلومة أو الدعوة إليها ، فإنّ تقديم المعلومة أو الدعوة إليها شيء مختلف عن استخدام أسلوب في تقديم المعلومة يخلق في النفس انبعاثاً نحو العمل بها ، ولهذا قلنا في بعض محاضراتنا التفسيرية بأنّ القرآن هو كتاب معرفة وهداية وتربية ، فهو بنفسه يقوم بالتربية لا أنّه يدعو إليها فقط . ولهذا تعدّ قراءة القرآن في الثقافة الدينية تسامياً روحياً لا أنها معرفة ذهنية حصوليّة تدعو للتسامي الروحي ، تماماً كالصلاة فهي بنفسها فعلُ تسامٍ روحي لا أنّها حركات جسدية فقط .